الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

36

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

121 ] . [ 123 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 123 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 123 ) عطف على جملة : كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأنعام : 122 ] فلها حكم الاستئناف البياني ، لبيان سبب آخر من أسباب استمرار المشركين على ضلالهم ، وذلك هو مكر أكابر قريتهم بالرّسول صلى اللّه عليه وسلّم والمسلمين وصرفهم الحيل لصدّ الدهماء عن متابعة دعوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . والمشار إليه بقوله : و كَذلِكَ أولياء الشياطين بتأويل كَذلِكَ المذكور . والمعنى : ومثل هذا الجعل الذي جعلناه لمشركي مكّة جعلنا في كلّ قرية مضت أكابر يصدّون عن الخير ، فشبّه أكابر المجرمين من أهل مكّة في الشّرك بأكابر المجرمين في أهل القرى في الأمم الأخرى ، أي أنّ أمر هؤلاء ليس ببدع ولا خاصّ بأعداء هذا الدّين ، فإنّه سنّة المجرمين مع الرسل الأوّلين . فالجعل : بمعنى الخلق ووضع السّنن الكونيّة ، وهي سنن خلق أسباب الخير وأسباب الشرّ في كلّ مجتمع ، وبخاصّة القرى . وفي هذا تنبيه على أنّ أهل البداوة أقرب إلى قبول الخير من أهل القرى ، لأنّهم لبساطة طباعهم من الفطرة السّليمة ، فإذا سمعوا الخير تقبّلوه ، بخلاف أهل القرى ، فإنّهم لتشبّثهم بعوائدهم وما ألفوه ، ينفرون من كلّ ما يغيّره عليهم ، ولهذا قال اللّه تعالى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ [ التوبة : 101 ] فجعل النّفاق في الأعراب نفاقا مجرّدا ، والنّفاق في أهل المدينة نفاقا ماردا . وقد يكون الجعل بمعنى التّصيير ، وهو تصيير خلق على صفة مخصوصة أو تصيير مخلوق إلى صفة بعد أن كان في صفة أخرى ، ثمّ إنّ تصارع الخير والشرّ يكون بمقدار غلبة أهل أحدهما على أهل الآخر ، فإذا غلب أهل الخير انقبض دعاة الشرّ والفساد ، وإذا انعكس الأمر انبسط دعاة الشرّ وكثروا . ومن أجل ذلك لم يزل الحكماء الأقدمون يبذلون الجهد في إيجاد المدينة الفاضلة الّتي وصفها ( أفلاطون ) في « كتابه » ، والّتي كادت أن تتحقّق صفاتها في مدينة ( أثينة ) في زمن جمهوريتها ، ولكنّها ما تحقّقت بحقّ إلّا في مدينة الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم في زمانه وزمان الخلفاء الرّاشدين فيها .